تموّجات لحظة واحدة
تتحوّل صلة بين زميلين في الصف إلى حكاية عن الافتراضات، والهشاشة الإنسانية، وتبعات لحظة واحدة.

الفصل الأول
كانت هناك حفلة بعد المدرسة، وسيحضر الصفّ كلّه، ولا سيّما أحمد. كان ذلك الشاب الذي افتُتنت به منذ المرحلة المتوسّطة. كان نبض كل تجمع، من أولئك الذين يستطيعون تغيير جوّ المكان بمجرّد دخوله. حين يكون أحمد وسط المجموعة، يمتلك قدرة عجيبة على إبقاء الجميع مندمجين، كأنهم تحت تأثير تعويذة. كان له سحر جذّاب، يجعل الناس يشعرون بأنهم مرئيون بلا أدنى جهد، حتى وهو يستأثر بكل الاهتمام.
كان العام الدراسي الأخير قد بدأ للتوّ، وكنت أعرف أن هذه فرصتي الأخيرة للاقتراب من أحمد قبل أن يغادر إلى إسطنبول العام المقبل للدراسة الجامعية. لم يكن الأمر أنه لا يلاحظني؛ بل إنني شككت في قدرتي على مجاراة شخصيّته الفوّارة. خشيت أن يجدني مملّة، مجرّد وجه آخر في الزحام، لا أستحقّ وقته.
لم يكن أكثر الشباب جاذبية وفق المقاييس المعتادة؛ كان عريض الكتفين، بشعر بنيّ داكن يبدو دائمًا أشعث قليلًا، ولحية مشذّبة بعناية، وعينين عسليّتين فيهما مسحة غموض، وابتسامة توحي بوعد بشيء يقع خارج المتناول. كان، بمعظم المقاييس، عاديًا. لكن شيئًا في امتزاج حضوره بمظهره جعله فاتنًا، كأن جوهره نفسه نحته ليصبح أكثر من مجموع صفاته.
أمضيت ما بدا لي دهرًا في اختيار الملابس المناسبة. وحين وصلت أخيرًا إلى الحفلة، رأيت المجموعات المعتادة: صديقاتي، والطلاب ذوي الشعبية، وطبعًا أحمد. كان هناك بالفعل، كعادته. كان يؤمن بأن الالتزام بالموعد تعبير عن الاحترام؛ قناعة تبدو قديمة الطراز، لكنها محبّبة على نحو غريب.
ومع تقدّم الليل، أخذت الموسيقى تنبض بصوت أعلى، وترسم الأضواء خطوطًا مضطربة على الجدران، ويتردّد الضحك في الهواء. كان أحمد في قلب كل ذلك، يؤدي حركاته الراقصة المضحكة التي تجعل الجميع، بطريقة ما، يحبّونه أكثر. أخذت علبة مياه غازية، وتركت فقاعاتها الباردة تهدّئ أعصابي. وبينما أرشف منها، رأيت أحمد ينسلّ إلى الخارج، وفي خطواته عجلة. فكّرت: لعله خارج ليدخّن سيجارة. ربما تكون هذه فرصتي. أخذت سترتي بسرعة، وأنا أعرف أنه قد لا يخطر بباله أن يعرض عليّ سترته، وتبعته إلى الخارج.
وقف وحده، متّكئًا على سيارة، يتلوّى الدخان من شفتيه إلى هواء الليل البارد. أحاطه ضوء القمر كأنه شخصية في مشهد سينمائي. وقبل أن أناديه، استدار والتقت عيناه بعينيّ.
سأل، وهو يعرض عليّ ببساطة أن آخذ نفسًا من سيجارته: «أهلًا لورا، كيف حالك؟»
ذهلت لأنه يعرف اسمي أصلًا. أجبت، أحاول تثبيت صوتي: «أنا... بخير. لماذا خرجت؟»
سحب نفسًا بطيئًا، وجمرة سيجارته تتوهّج كنبضة قلب. زفر، فانجرفت سحابة طويلة من الدخان إلى سماء الليل. «أحيانًا أشعر فحسب... بأن كل شيء يثقل عليّ، أتفهمين؟ كأن الضجيج في داخلي يرتفع كثيرًا حين أكون وسط كل هؤلاء الناس».
أومأت، وشعرت بوخزة بين التعاطف والإعجاب. قلت برفق، وأنا أرشف من شرابي مرة أخرى وأحاول مجاراة هدوئه: «نعم، أفهم ذلك».
ولدهشتي، انجرفنا إلى حديث عميق: عن الحياة، وآمالنا المتشابكة للمستقبل، وثقل التوقّعات، وحتى الدين. كأنني أقشّر طبقات شخص ظننت أنني أعرفه، لكنني لم أفهمه حقًّا قطّ. لم يكن أحمد روح الحفلة فحسب؛ كان كتابًا مفتوحًا، في صفحاته هشاشة إنسانية، ومستعدًّا لمشاركة أسرار يحرسها معظم الناس بأرواحهم. لاحظ ارتجافي الخفيف من البرد، فعرض عليّ سترته. لكن كانت معي سترتي، وبدا أنه يقدّر أنني لا أتعجّل إنهاء حديثنا. أحسّ بتردّدي الصامت في العودة إلى الداخل، فسحق السيجارة تحت حذائه وابتسم. «هيا، بدأت أشعر بالبرد. لنعد إلى الداخل».
ما إن عدنا إلى نبض الحفلة الصاخب، حتى بدا كأن مفتاحًا قد تبدّل في أحمد. عاد إلى مركز الاهتمام، يرنّ ضحكه كالموسيقى، ويجذب حضوره الناس من جديد. كانت لديه طريقة تجعل حتى أكثر الناس تلاشيًا يشعر بأنه مرئي، يعرّف الخجولين والمرتبكين إلى دائرته، كأنه لا يحتمل أن يرى أحدًا مستبعدًا.
عندها أدركت الأمر: لم يكن أحمد يمتلك طاقة فحسب. كان قناة تتدفّق عبرها حيويته إلى الآخرين، تنفخ الحياة في ظلالهم. يمنح المتردّدين قوّة، ويخفّف أثقال المثقلين بالحزن، ويجذب المنعزلين إلى أضواء ساحة الرقص.
بلغت الحفلة ذروة صخبها، والموسيقى تدوّي حتى بدا أنها تهزّ الجدران، والأضواء تومض كالبرق في سماء مضطربة. ثم لاحظت تغيّرًا في ملامح أحمد. تجمّد في منتصف ضحكة، واتّسعت حدقتاه، وحاول مواصلة الرقص، متكلّفًا ابتسامة بدأت تتصدّع.
ثم، فجأة... دوى ارتطام. انهار. ضرب جسده الأرض بصوت ثقيل مفزع، وأطرافه متصلّبة تنتفض بلا سيطرة. ظهرت رغوة عند زاويتي فمه، وانقلبت عيناه إلى الخلف. شقّ الفوضى صراخ مذعور: «أوقفوا الموسيقى!»
الفصل الثاني
وصلت سيارة الإسعاف، وتمكّنت من الصعود إلى مؤخّرتها في اللحظة الأخيرة. جلست إلى جانب أحمد، أراقبه وهو يفيق ويفقد وعيه بالتناوب. تحرّك أخيرًا، وبدا مشوّشًا؛ لسانه ثقيل، وكل عضلة في جسده تؤلمه، وكأنه غريب داخل جلده. أمسك مسعف بيده وسأله: «هل تعرف ما الذي حدث لك؟» هزّ أحمد رأسه نافيًا، غير قادر على الكلام. «هل تعرف اسمك؟» أومأ بضعف. «ماذا كنت تفعل قبل أن يُغمى عليك؟» أشار أحمد إليّ ببطء، وتمتم: «مع لورا»، قبل أن يغيب عن الوعي مرة أخرى.
التفت المسعف إليّ، وصوته ملحّ: «ما الذي حدث لأحمد؟ هل تستطيعين إخباري بما رأيت؟»
تردّدت، والأفكار تتسابق في رأسي. «كنّا في حفلة. لم يشرب أيّ كحول. لكنه كان يدخّن قبل حدوث ذلك مباشرة، قبل أن يفقد وعيه بخمس دقائق تقريبًا».
تغيّر تعبير المسعف. قاطعني: «أيّ نوع من السجائر؟»
تصاعد الإحباط داخلي. «النوع العادي! لماذا تسأل سؤالًا كهذا أصلًا؟» شعرت بومضة غضب. كيف يظنّ أن أحمد من النوع الذي يعبث بالمخدرات؟ كان أحمد إنسانًا رائعًا، ولا يمكن أن يفعل شيئًا كهذا.
حين وصلنا إلى المستشفى، أسرع الأطباء به إلى الداخل، وتبعتهم عن قرب، وذهني يضطرب. أجروا الفحوص، وسلّطوا ضوءًا في عينيه، ووخزوا أصابعه لفحص ردود أفعاله. ثم أجروا شيئًا يُسمّى فحص السموم. سألت إحدى الممرّضات عنه، فشرحت أنه تحليل للكشف عن أيّ مخدرات في جسمه.
هل يُعقل؟ دار رأسي بالأسئلة. هل أحمد ممّن يتعاطون المخدرات؟ هل هذا سبب امتلائه الدائم بالحياة؟ هل انجذبت إلى واجهة، إلى نسخة منه يغذّيها شيء مصطنع؟ شاهدت أحمد يشدّ فكّه، ووجهه متلوٍّ من الألم، وتذكّرت كيف كان يطحن أسنانه أثناء النوبة.
نظر إليّ بعينين غائمتين، وسأل بصوت لا يكاد يتجاوز الهمس: «ماذا حدث؟»
عقدت ذراعيّ، وكان صوتي أقسى مما قصدت. «أخبرني أنت!»
تنهد فحسب، متعبًا أكثر من أن يبدي ردّ فعل، وأغمض عينيه، تاركًا رأسه يسقط إلى الخلف على الوسادة. ضاق صدري بالغضب والحيرة. كيف وقعت في حبّ شخص كهذا؟ اجتاحتني موجة من الشعور بالخيانة، وتركتني أحسّ بأنني حمقاء. هل كان مجرّد مدمن مخدرات يختبئ خلف تلك الابتسامة الساحرة؟
في تلك اللحظة، اندفع والدا أحمد إلى الغرفة. ألقت أمه بنفسها عليه، ونحيبها يملأ هواء الغرفة المعقّم، وهي تقبّل جبينه. صاحت بصوت يتكسّر: «ماذا حدث يا حبيبي؟ هل أنت بخير؟» وقف أبوه على مسافة، يحاول الظهور قويًا، لكن الخوف في عينيه فضحه، ولم تنجح وقفته المتصلّبة في إخفاء هشاشته.
لم أستطع البقاء هناك أكثر. استدرت وخرجت من الغرفة غاضبة، والغضب وخيبة الأمل يعصفان داخلي. لماذا لم يخبرني؟ دارت أفكاري في دوّامة. إنه مخادع، خدعة كاملة.
حين بلغت الممرّ، ناداني طبيب: «عذرًا يا آنسة. رأيت أن عليك أن تعرفي: جاءت نتيجة فحص السموم لدى أحمد سلبية. لم تكن جرعة زائدة».
تجمّدت، وضربتني الكلمات كلكمة في المعدة. سلبية؟ فجأة، بدت الاتهامات التي قذفت بها في ذهني ثقيلة بالندم، تغوص داخلي كالحجارة. بدأ غضبي يتفكّك، وحلّ محلّه شيء أعمق: الذنب. لقد حكمت عليه من دون أن أعرف الحكاية كاملة، والآن لم أستطع إلا الوقوف هناك، والحقيقة تخترقني كنصل.
الفصل الثالث
عدت إلى المنزل منهكة، وذهني يدور بمشاعر متعارضة: الندم، والغضب، والحيرة. أخرجت هاتفي، فرأيت سيلًا من المكالمات الفائتة من أشخاص كانوا في الحفلة. حدّقت في الشاشة لحظة، ثم أغلقته. لم أكن في مزاج يسمح بالكلام؛ أردت فقط أن تنتهي هذه الليلة.
تقلّبت في فراشي، أحاول تهدئة الأفكار المتسارعة في رأسي. حاولت التركيز على اللحظات التي منحتني شيئًا من السكينة؛ حديثي مع أحمد في الخارج، وتقاسمنا سيجارة. تذكّرت كيف كان ينظر إليّ، وكيف تحدّث عن الحياة وأحلامه. لم يكن أحمد مجرّد شاب يحبّ الحفلات؛ كان مليئًا بالآمال والطموحات، من أولئك الذين يبذلون ما يفوق المعتاد لتحقيق ما يعزمون عليه. جلبت تلك الذكريات هدوءًا عابرًا، كغطاء دافئ فوق أفكاري القلقة. كأن لا شيء آخر موجود، سواه وسواي، في تلك اللحظة الهادئة. وفي النهاية، غفوت.
حين جاء الصباح، استيقظت بمئة سؤال ومن دون إجابة واحدة. هل حدث ما جرى الليلة الماضية حقًّا؟ أين أحمد الآن؟ هل هو بخير؟ هل هو... لم أستطع حتى إكمال الفكرة. أخذت نفسًا عميقًا، أحاول حشد القوة لمواجهة اليوم. نهضت من الفراش واتّجهت إلى المطبخ، حيث كانت أمي تغسل الصحون، وكان أبي قد غادر إلى العمل.
سألتني أمي بنظرة قلقة: «كيف حالك يا حبيبتي؟»
سألتني عن الليلة الماضية، ولم أرد إخفاء شيء عنها. فأخبرتها بكل شيء: السيجارة، وإغماء أحمد، وركوبي معه في سيارة الإسعاف، وفحص السموم، وكيف انتهى بي الأمر إلى مغادرة المستشفى. تركت كل التفاصيل تنساب.
أنصتت أمي باهتمام، ووجهها يتنقّل بين القلق وخيبة الأمل. وأخيرًا، نظرت إليّ، وصوتها رقيق لكنه حازم. «لورا، لم نتربَّ على الحكم على الناس بهذه السرعة، وبالتأكيد لم نتربَّ على التخلّي عنهم حين يكونون في أمسّ الحاجة إلينا. لماذا تركت صديقك في المستشفى؟»
لسعتني كلماتها، لكنني أخبرتها بما شعرت به؛ كم غمرتني الأحداث، وكم أردت بيأس أن تنتهي الليلة. تنهدت، ثم جذبتني إلى حضنها وقبّلت رأسي. قالت برفق: «ستكون الأمور بخير»، تمنحني مواساة لا تستطيع منحها إلا أم.
الفصل الرابع
في اليوم الثاني، استيقظت متظاهرة بأنني بخير. لم أكن أعرف أحمد جيدًا، لكن حديثنا القصير على سيجارة أشعرني بصلة بيننا، كأنني أعرفه منذ سنوات. والآن لم أستطع التفكير إلا فيه، ولم يعنني سوى أن يكون بخير. تجهّزت وذهبت إلى المدرسة، أتهيّأ لليوم الذي ينتظرني.
حين وصلت إلى الصفّ، فوجئت برؤية أحمد هناك. لم أصدّق؛ لقد عاد بالفعل. لكن شيئًا فيه بدا مختلفًا، كأنه باهت. نقل مقعده إلى مؤخرة الصفّ، بعيدًا عن مكانه المعتاد. لم يكن أحمد يومًا طالبًا متفوّقًا، لكنه لم يكن يبدو منفصلًا عن الدرس أيضًا. كان يستمتع بالوجود مع الجميع، وأكثر ما أحببته فيه أنه يملأ الغرفة بطاقة مرحة خفيفة. لم يكن «مهرّج الصفّ» تمامًا، لكن له طريقة في إضحاك الناس بتعليقاته الطريفة ومحاولاته الفاشلة لحلّ مسائل الرياضيات الصعبة أمام الجميع.
حين دخلت، تجمّع زملائي حولي، يسألون عمّا حدث في الحفلة، وما قاله الأطباء. بدا أن أحمد أخبرهم بأنه بخير ولا يريد مناقشة الأمر، فكرّرت كلامه فحسب. «أنا بخير، وأحمد بخير أيضًا. سيتحدّث عن الأمر حين يكون مستعدًّا». أومأت إلى أحمد سريعًا، من دون أن أرغب في الضغط عليه. كنت أرى أنه غير مستعدّ للكلام.
قبل بدء الدرس، جاء أحمد إليّ. قال بابتسامة ساخرة: «تركت المقعد الذي بجانبي فارغًا. أتريدين الجلوس معي، يا ممرّضتي الخاصة؟» ضحكت وأجبت: «بالتأكيد، يجب أن أبقى بالقرب منك؛ من يدري ماذا قد يحدث». كانت تلك اللحظة بداية صداقة أوثق بيننا.
لكن مع مرور الأسابيع، لاحظت انسحاب أحمد. لم يعد ذلك الشخص الثرثار الذي اعتدته، وتوقّف عن إطلاق النكات العفوية التي كانت تملأ الغرفة. بدا كأنه يجبر نفسه على التصرّف بصورة طبيعية، لكن في صمته ثقلًا، ووطأة لا أستطيع تجاهلها. كان ما يزال أحمد الذي أعرفه، لكنني رأيت أنه ليس بخير.
ذات عصر بعد المدرسة، دعوت أحمد إلى القهوة، كما كنّا نفعل كل يوم. أصبح ذلك طقسنا؛ يعزم أحدنا الآخر على فنجان قهوة. في المقهى، طلبت طلبنا المعتاد: أمريكانو لي، وقهوة منقوعة على البارد له. كان يحبّها حتى في البرد. لكن عند المنضدة، فاجأني أحمد. قال: «سآخذ مياهًا غازية فقط، من فضلك». ذُهلت؛ لم يكن يرفض قهوته الباردة أبدًا، ولا سيّما حين أدفع أنا.
أخذنا مشروبينا وجلسنا إلى طاولتنا المعتادة، وبدأ أحمد يتحدّث عن المدرسة وعن إعجابه بمعلّم الكيمياء الجديد. لكنني لم أعد أستطيع مواصلة الأحاديث العابرة. قاطعته: «توقّف، حسنًا؟» بدا مذهولًا. سأل: «ما بك؟» أخبرته أنني أعرف أنه ليس بخير، وأنه ليس مضطرًّا إلى مواصلة التظاهر. قلت: «لا بأس ألّا تكون بخير طوال الوقت». لانت ملامحه، كأنه شعر أخيرًا بأن أحدًا يفهمه.
فواصلت: «عليك أن تخبرني بما يجري يا أحمد. ماذا حدث؟ لماذا أصابتك تلك النوبة؟ ماذا قال الأطباء؟» كنت أحتاج إلى إجابات، ليس من أجلي وحدي، بل لأنني أرى كم يعاني وحده.
تلاشت ابتسامته وهو يأخذ نفسًا عميقًا. أخبرني أن الأضواء الومّاضة والموسيقى الصاخبة في الحفلة أثارت النوبة، ولهذا خرج ليستنشق بعض الهواء. وذكر أن وجودي ساعد على تهدئته واستعادة توازنه. ثم أخبرني عن شيء يُسمّى الصرع، وكيف سيغيّر حياته. عليه أن ينام ثماني ساعات على الأقل لتجنّب نوبة أخرى، ويبتعد عن الأضواء الومّاضة، بل ويتحكّم في انفعالاته؛ فالحزن الشديد أو السعادة الشديدة قد يثيران نوبة. وطبعًا، لن يكون هناك مزيد من الكافيين.
حاول أن يبدو شجاعًا وهو يتكلّم، لكنني رأيت كم يشعر بالضياع. اعترف بأنه يجد صعوبة في استيعاب كل شيء، وبأنه لا يستطيع تخيّل كيف ستكون حياته الآن. وبينما يتحدّث، ظلّت فكرة تتكرّر في رأسي: السعادة الشديدة. من الذي عليه أن يتحكّم في سعادته؟ إنها شعور يعتزّ به الجميع. حطّم قلبي أن عليه كبح حتى فرحته.
تظاهرت بالشجاعة أنا أيضًا، وأمسكت يده. «ستكون بخير يا أحمد. أنا هنا معك، مهما حدث». حاول أن يبتسم، لكن ابتسامته كانت متكلّفة، وعيناه تفضحان حزنًا لا يستطيع إخفاءه.
أحسست أنه يحتاج إلى تغيير الموضوع، فأعدت الحديث عن معلّم الكيمياء الجديد، وتشبّث بالحديث كأنه طوق نجاة؛ كأن الكلام عن شيء عادي يستطيع بطريقة ما أن يعيد الأمور إلى طبيعتها. وهكذا جلسنا هناك، نتشبّث بتلك الحياة الطبيعية الهشّة، حكاية تلو الأخرى.
الفصل الخامس
قرّر الصفّ إقامة حفلة أخرى قبل امتحانات منتصف الفصل، فرصة للاسترخاء قبل فوضى الامتحانات. كان الجميع مدعوّين. لكن خلال استراحة بين الحصص، التفت بعض الطلاب إلى أحمد، والإحباط يغلي في أصواتهم. سألوه، وقد بدا انزعاجهم واضحًا: «هل ستأتي أصلًا هذه المرة؟» لم يردّ على الدعوة الإلكترونية في مجموعة الصفّ على واتساب، وبدأوا يضيقون بغيابه المتواصل. توقّف أحمد عن حضور التجمعات، والحفلات، وحتى اللقاءات البسيطة. كأنه يبتعد عن الجميع.
لم يكونوا يعرفون ما أعرفه: لم يكن أحمد يتغيّب اعتباطًا. كانت الحقيقة معقّدة وموجعة. لدوائه آثار جانبية قاسية. يرهقه، ويثقله بموجات من الاكتئاب، ويعقد مزاجه في تقلّبات لا يمكن توقّعها. في بعض الأيام، يكون منهكًا أكثر من أن يغادر المنزل، وفي أيام أخرى، خائفًا أكثر من اللازم، يطارده احتمال أن تصيبه نوبة أمام الجميع.
كان الخروج إلى أماكن مزدحمة، تحيط به فيها الضوضاء والناس، أشبه بالمشي على حبل مشدود فوق هوّة من القلق. لذلك اختار الهدوء؛ فضّل البقاء في المنزل، أو، في أيامه الأفضل، الخروج معي إلى مكان هادئ، كمقهى ساكن يمكننا فيه الجلوس بصمت أو الحديث عن أيّ شيء سوى معاناته. كانت هذه طريقتنا في التظاهر بأن كل شيء طبيعي، ولو قليلًا.
لكن ذلك التفسير لم يكن ليعني شيئًا لبقية الصفّ. لم يرغبوا في الفهم؛ أرادوا فقط أن يعرفوا لماذا يواصل رفض دعواتهم. لذلك، حين هزّ أحمد كتفيه وقال: «آه، نعم، لا أستطيع الحضور. لديّ... أمر يجب أن أهتمّ به»، اشتعل انزعاجهم.
ردّوا بحدّة، كأنه مدين لهم بتفسير: «ماذا تقصد بأنك لن تأتي؟» حافظ أحمد على ثبات صوته وكرّر: «لا أستطيع. قلت لكم إن لديّ أمرًا».
شعرت بالتوتّر، فحاولت تلطيف الجوّ بتقديم عذر. كذبت، متكلّفة ابتسامة: «لن نذهب لأن أمي دعت أحمد إلى العشاء ذلك اليوم». التفت إليّ أحمد متفاجئًا، لكنه لم يخالف كلامي. تراجعت المجموعة أخيرًا، يتذمّرون وهم يعودون إلى خطط الحفلة.
بعد المدرسة، حان وقت حديثنا المعتاد على القهوة. لكن أحمد بدا بعيدًا، ووجهه مشدود بتعب أعرفه جيدًا. تمتم بصوت خالٍ من التعبير: «لست في مزاج مناسب اليوم. أريد فقط أن أعود إلى المنزل وأرتاح». نكزته برفق، أحاول إخراجه من كآبته. «هيا يا أحمد، هذا طقسنا».
ردّ بحدّة لم أسمعها منه من قبل: «لا يوجد شيء اسمه نحن يا لورا. هناك أحمد، وهناك أنتِ. لا يوجد نحن».
صفعتني كلماته، وشعرت بالأرض تتحرّك تحت قدميّ. سألت بإلحاح، وصوتي يرتفع بينما الحيرة تعتصرني: «عمّ تتحدّث؟»
أجاب، وقد أخذت نبرته تبرد: «تعرفين تمامًا ما أعنيه. أصبحنا ثنائيًا يا لورا، من دون أن ندرك ذلك حتى. تحوّلت هذه الصداقة إلى شيء... غريب، شيء لم يرده أيّ منّا، لكننا وقعنا فيه بطريقة ما».
رمشت لأردّ دموعي، أشعر بها تحرق خلف عينيّ. علقت الكلمات التي أردت قولها في حلقي، وخنقتها موجة من خيبة الأمل والألم. ومن دون كلمة أخرى، استدرت ومضيت، بخطوات سريعة مضطربة.
ما لم يعرفه أحمد هو أن أمي كانت تريد بالفعل أن يأتي إلى العشاء تلك الليلة. الحمد لله أنني لم أخبره؛ لكان حطّمني مرتين في يوم واحد.
حين وصلت إلى المنزل، اندفعت عبر الباب، وصدري يضيق بالمشاعر. رفعت أمي رأسها، ووجهها مليء بالقلق. سألت برفق: «لماذا لا تشربين القهوة مع أحمد؟»
أجبت، وصوتي يتصدّع وأنا أحاول كبح نحيبي: «إنه مشغول». اندفعت إلى غرفتي، وقلبي يدقّ في أذنيّ. هناك، في السكون، تركت الثقل الكامل لكل ما حدث ينهال عليّ. شعرت بأنني غبيّة، وكرهت كل لحظة سمحت فيها لنفسي أن أشعر بشيء تجاهه.
اندفاعًا، أمسكت هاتفي وطلبت رقمه، ويداي ترتجفان من الغضب. حين أجاب، تركت الكلمات تتدفّق، وصوتي يرتعش بالألم الذي كتمته. «أيها الأحمق الأناني. وقفت إلى جانبك، وأنصتّ إليك، وآنسْتك حين كان الجميع في الخارج يفعلون أشياء ممتعة لا تستطيع فعلها. غطّيت عليك، واختلقت الأعذار حين لم تستطع حضور الحفلات أو الفعاليات، وهذا ما أحصل عليه؟» أخذت نفسًا عميقًا، وصوتي يتكسّر وأنا أضيف: «نعم، تمنّيت أن نصبح أكثر من صديقين. لكن شكرًا لك يا أحمد على توضيح الأمور. لا أريد أن تكون لي بك أيّ صلة بعد الآن. وداعًا».
أغلقت الهاتف، ولم أنتظر ردّه.
وبهذه البساطة، انتهى الأمر. كانت هذه نهاية أحمد وأنا، وعرفت أنني لا أستطيع الالتفات إلى الوراء. شعرت بأنني حمقاء؛ لأنني سمحت لنفسي أن أهتمّ، ولأنني ظننت أنه ربما يبادلني الشعور، ولا سيّما بعد كل المرات التي وقفت فيها إلى جانبه.
الفصل السادس
في صباح اليوم التالي، استيقظت بصداع ما بعد الثمالة، لا من الكحول، بل من زجاجات الندم واليأس. كان قلبي يؤلمني بثقل مواجهة الأمس. غسلت وجهي، أحاول غسل بقايا الحزن، واتّجهت إلى المطبخ. كانت أمي ما تزال نائمة، فأخذت إفطاري بهدوء، وارتديت ملابسي، وانطلقت إلى المدرسة.
طوال الطريق، مثّلت سيناريو في رأسي: كيف سأبعد مقعدي عن مقعد أحمد من دون إثارة ضجّة. لم أعد أريد أيّ صلة به. أردت فقط أن أمضي قدمًا، وأن أنسى أنه كان جزءًا من حياتي يومًا. لكن حين فتحت باب الصفّ، تخطّى قلبي نبضة؛ لم يكن أحمد هناك.
اقتربت من مقعدي وجلست، وشعور غريب بعدم الارتياح يتسلّل إليّ. بطريقة ما، عرفت أنه لن يأتي اليوم. بعد ما قلته له أمس، لعله يشعر بالسوء بقدر ما أشعر. وبينما كنت غارقة في أفكاري، جلس عيسى، أعزّ أصدقاء أحمد، بجانبي. سرت قشعريرة في ظهري. كان وجه عيسى شاحبًا، وشفتاه تشوبهما زرقة، كأنه يحمل ثقل سرّ جسيم. التفت إليّ، وصوته لا يكاد يعلو على الهمس. «كان يحبّك، أتعلمين؟»
رددت بحدّة، والغضب يشتعل داخلي من جديد: «عفوًا؟»
نظر عيسى جانبًا، وعيناه مسكونتان بالألم. «أحمد. كان يحبّك. كان يتحدّث عنك دائمًا يا لورا. كان متحمّسًا جدًا لرؤيتك في الحفلة». تصدّع صوت عيسى، وأخذ نفسًا مرتجفًا. «حين اتّصلت بي أسرته من المستشفى، أسرعت إليه. بقيت معه طوال الليل بعد أن غادرت أسرته. وحتى حينها، ظلّ يتحدّث عن شيء واحد: أنتِ. كان يقع في حبّك».
ترنّح ذهني. سألت بإلحاح، وصوتي يرتجف حيرة: «إذًا لماذا قال كل تلك الأشياء؟ لماذا أبعدني عنه؟»
خفض عيسى نظره، ويداه ترتجفان في حجره. «كان خائفًا يا لورا. خائفًا من أنه لن يستطيع مجاراة حياتك. من أن تمَلّي منه... وتظنّيه مملًّا. حالته تعني أنه لا يستطيع الذهاب إلى الحفلات، أو الحفلات الموسيقية، أو القيام بتلك الجولات بالسيارة عند منتصف الليل التي تحبّينها. كانت تعليمات طبيبه تفرض عليه أن يكون في الفراش في ساعة معيّنة، ولم يكن يستطيع المخاطرة».
شعرت بأن الأرض انهارت تحت قدميّ. لم أشعر يومًا بهذه الضآلة، ولا بهذا الخزي. ابتلعت ريقي بصعوبة وسألت: «متى يعود أحمد إلى الصفّ؟» انكمش وجه عيسى، وفجأة أخذ ينتحب، وكتفاه ترتجفان حزنًا. اختنق بالكلمة، والدموع تنهمر على وجهه: «أبدًا».
انقبضت معدتي. «ماذا تقصد يا عيسى؟ هل... هل ترك المدرسة؟»
حاول عيسى أن يتماسك، وصوته بالكاد يحتفظ بتوازنه. «لم يكن من المفترض أن يقود، لكنه أخذ مفاتيح سيارة أمه من الدرج وغادر. اتّصل بي يا لورا. قال إنه في طريقه ليعتذر إليك... وإنه لن يستطيع مسامحة نفسه إن نمتِ غاضبة منه». انهار عيسى من جديد، وكلماته تخرج بين شهقات متقطّعة. «لم يصل إلى منزلك. أصابته نوبة وهو يقود... واصطدم بشجرة. لقد رحل يا لورا. أحمد مات».
توقّف العالم. رنّت أذناي، وتحوّل كل ما حولي إلى ضباب رمادي باهت. تردّدت كلمات عيسى في ذهني، لكنها لم تكن مفهومة. لم يكن يمكن أن تكون حقيقية.
لا أتذكّر سقوطي. لا أتذكّر ارتطامي بالأرض. أول ما أدركته بعد ذلك أنني مستلقية في سيارة إسعاف، وأضواء ساطعة تعمي عينيّ. أمسكت يد مسعف بيدي، وصوته ملحّ لكنه بعيد. سأل: «هل تعرفين ما الذي حدث لك؟» وكانت كلماته تسبح في ذهني. حاولت الكلام، لكن الكلمات علقت في حلقي. وبالكاد استطعت هزّ رأسي نافية.
سأل، برفق أكبر هذه المرة: «هل تعرفين اسمك؟» أومأت بضعف، ورؤيتي تغبشها الدموع.
«ماذا كنت تفعلين قبل أن يُغمى عليك؟»
انفلتت الكلمة من فمي، بالكاد همسًا. تمتمت: «أحمد...» وخفت صوتي وأنا أشعر بنفسي أنزلق إلى الظلام مرة أخرى.
كانت تلك أول نوبة تصيبني.
والآن أتناول الدواء؛ يا للمفارقة، أليس كذلك؟ لم يستطع جسدي تحمّل صدمة فقدان أحمد، وها أنا أجد نفسي أعيش وفق القيود نفسها التي اضطرّ إلى احتمالها. عليّ أن أتجنّب الأماكن الصاخبة والمواقف المجهدة، وأن أحرص على النوم وفق الساعات الصارمة نفسها التي كان أحمد يلتزمها. وأصبحت أعرف جيدًا آثار تلك الحبوب الجانبية: التعب الدائم، وتقلّبات المزاج.
لكن أقسى منعطف في الحكاية؟ أنني نجوت. أما أحمد، فلم ينجُ. لقد رحل، وما زلت هنا، أحمل ثقل هذه الحياة الجديدة، حياة تشبه حياته، لكنها تبدو أكثر فراغًا من دونه. كأن القدر قرّر أن عليّ أن أفهم، بأشدّ الطرق إيلامًا، ما الذي مرّ به تمامًا. وهو ألم لا يغادر أبدًا.
